الغزالي
47
التبر المسبوك في نصيحة الملوك
كان ذلك الرجل الذي دخل ؟ فقال : ملك الموت . فقال : أخاف أن يريد قبض روحي فخلّصني من يده ! فقال : كيف أخلّصك ؟ فقال : تأمر الريح أن تحملني في هذه الساعة إلى بلاد الهند ، لعلّه يضلّ عني ولا يجدني . فأمر سليمان الريح فحملته في الوقت والحال ؛ فعاد ملك الموت ودخل على سليمان بن داود ، عليهما الصلاة والسلام ، فلمّا دخل عليه قال له : لأي سبب كنت تطيل النظر إلى ذلك الرجل ؟ قال : كنت أتعجّب منه لأني أمرت أن أقبض روحه في أرض الهند ، وكان بعيدا عنها إلى أن اتفق بحمل الريح له إلى هناك ، فكان ما قدّره اللّه تعالى . الحكاية الخامسة : يروى أن ذا القرنين مرّ بقوم لا يملكون شيئا من أسباب الدّنيا ، وقد حفروا قبور موتاهم على أبواب دورهم ، وهم كل يوم يتعمّدون تلك القبور يكنّسونها وينظّفونها وينخرونها ويزورونها ويعبدون اللّه فيها ، وما لهم طعام إلّا الحشيش ونبات الأرض . فبعث إليهم ذو القرنين رجلا ، فدعا ملكهم فلم يجبه ، وقال : ما لي وله . فجاء ذو القرنين ، وقال : كيف حالكم ؟ فإني لا أرى لكم شيئا من ذهب ولا فضة ، ولا أرى عندكم شيئا من نعم الدّنيا ؟ قال : لأن نعم الدّنيا لا يشبع منها أحد قطّ . وقال : لم حفرتم القبور على أبوابكم ؟ فقال : لتكون نصب أعيننا فننظر إليها ، ويتجدّد لنا ذكر الموت ، ويبرد حب الدّنيا في قلوبنا فلا نشتغل بها عن عبادة ربّنا . فقال : ولم تأكلون الحشيش ؟ فقال : لأنّا كرهنا أن نجعل بطوننا قبورا للحيوانات ، ولأن لذة الطعام لا تتجاوز الحلق . ثم مدّ يده إلى طاقة فأخرج منها قحف رأس آدمي فوضعه بين يديه وقال : يا ذا القرنين ، أتعرف من كان صاحب هذا ؟ قال : كان صاحب هذا القحف ملكا من ملوك الدّنيا ، وكان يظلم رعيته ويجور عليهم وعلى الضعفاء ، ويستفرغ زمانه في جمع حطام الدّنيا ، فقبض اللّه روحه وجعل النار مقرّه وهذا رأسه . ثم مدّ يده إلى الطاقة وأخرج قحفا آخر فوضعه بين يديه وقال له : أتعرف من كان صاحب هذا ؟ قال : كان هذا ملكا عادلا مشفقا على رعيته محبّا لأهل مملكته فقبض اللّه روحه وأسكنه جنّته ، ورفع درجته . ثم إنه وضع يده على رأس ذي القرنين وقال : ترى أيّ هذين الرأسين يكون هذا الرأس ؟ فبكى ذو القرنين بكاء شديدا وضمّه إلى صدره ، وقال له : إن رغبت في صحبتي سلمت إليك وزارتي وأقاسمك مملكتي . فقال : هيهات ما لي رغبة في ذلك . قال : ولم ؟ قال : لأن الناس جميعا أعداؤك بسبب المال والمملكة ، وكلّهم أصدقائي بسبب القناعة والصعلكة ، فاللّه تعالى معك . فالآن يجب أن تعرف حكايات النفس الأخير وتتيقّن معرفتها . واعلم أن أهل الغفلة المغترّين لا يحبون استماع حديث الموت لئلا يبرد حب الدّنيا في قلوبهم ، وتتنغّص عليهم لذّة مأكولهم ومشروبهم . وقد جاء في الخبر أن